الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

173

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

من ترك مطلق الطبيعة بحيث لا يوجد منها فرد في الخارج فيكون المندوب هو إيجادها الثاني فإنه الذي يصدق عليه حد المندوب حيث إنه الراجح الذي يجوز تركه فاللازم من تعلق الأمرين بالطبيعة المطلقة على الوجه المفروض وجوب الطبيعة المطلقة وندب تلك الطبيعة مقيدا بالإيجاد الآخر إذ المتحصل من الأمرين المنع من ترك الطبيعة المطلقة بحيث لو تركها بالمرة كان معاقبا قطعا ورجحان فعلها على وجه غير مانع من النقيض بالنسبة إلى إيجادها الثانوي ثم إنه يتفرع على ما ذكرنا أمور كثيرة منها عدم وجوب تعيين الذكر الواجب في أذكار الركوع والسجود وكذا الحال في التسبيحات في الركعتين الأخيرتين إذا اكتفينا بالإتيان بالتسبيحات الأربع مرة وربما قيل بوجوب التعيين في المقامين نظرا إلى البناء عليه في المسألة المذكورة وهو مدفوع بما عرفت ويوهنه خلو أخبار الباب وعدم تعرض أحد من الأصحاب فيما أعلم لوجوب اعتبار ذلك فيها مع أنه من أعظم ما يعم به البلوى ويشتد الحاجة إليها مضافا إلى جريان السيرة المستمرة على خلافه بحيث كاد أن يحصل منه القطع بفساده وفي ذلك شهادة على صحة ما اخترناه في المسألة المذكورة وعلى ما اخترناه ولو سها فأتى بالأول على جهة الندب أوقع واجبا وجاز له الاقتصار عليه ومنها عدم لزوم تعيين صوم القضاء لكل يوم فاته من شهر رمضان إذ الواجب من الصوم حينئذ من أفراد طبيعة واحدة ومنها أنه لو كان عليه منذورات عديدة من أفراد طبيعة واحدة اكتفي في أدائها بقصد أداء المنذور من غير حاجة إلى تعيين خصوص كل منها ومنها أنه لو كان عليه ديون عديدة من جنس واحد على صفة واحدة فأدى واحدا من ذلك الجنس من غير أن يعينه لخصوص واحد معين منها حصل البراءة على قدر المؤدّى من غير أن ينصرف إلى خصوص واحد منها وقد يشكل الحال في هذه المقامات فيما إذا تعلق حكم خاص بأحد الواجبين فأتى بأحدهما على الوجه المذكور كما إذا كان قد نذر الإتيان بواحد معين منهما أو نذر على تقدير الإتيان به التصدق على الفقير مثلا أو كان هناك وهن بأداء أحد الدينين أو حل أجل أحدهما دون الآخر بعد الدفع فهل يقال بتعيين الأول إذا عين الثاني لأداء الآخر فتعين المطلوب الأول ولا يخلو ذلك عن وجه كما مرت الإشارة إليه ومن ذلك ما لو كان عليه دينان على الوجه المذكور لرجلين فوكلا ثالثا في القبض فدفع إليه أحد الحقين أو كليهما من غير أن يعين شيء منهما لخصوص أحدهما ومنه ما لو باعه قفيزين من الحنطة بدرهمين وأقبضه المبيع وباعه أيضا قفيزين آخرين بدرهم من غير أن يقبضه فدفع إليه المشتري درهما من غير أن يعينه ثمنا لخصوص أحدهما فهل يثبت خيار التأخير بالنسبة إلى غير المقبوض لعدم تعين المقبوض ثمنا له أو يبنى على اللزوم أخذا بمقتضى الأصل لدوران الثمن بينه وبين المقبوض ولنقطع الكلام في المجلد الأول من هذا التعليق الموسوم بهداية المسترشدين على أصول معالم الدين ويتلوه المجلد الثاني في بحث دلالة الأمر على الوحدة أو التكرار ونسأل الله الكريم المنان أن ينفع به أهل العلم والفضل والإيمان وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم إنه هو البر الرّحيم . وقد وافق الفراغ منه ليلة الجمعة العاشر من شهر ربيع الثاني من شهور سنة ألف ومائتين وسبعة وثلاثين والصلاة والسلام على محمد وآله أجمعين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين ومؤلفه المفتقر إلى رحمة ربه الكريم تقي ابن المرحوم محمد رحيم عفى الله سبحانه عنهما بلطفه وفضله العميم وحشرهما مع مواليهما الأكرمين محمد وآله الطاهرين وصلى الله عليهم أجمعين .